محمد متولي الشعراوي
9104
تفسير الشعراوي
فماذا قال نبي الله إبراهيم لعمه بعد هذه القسوة ؟ لم يخرج إبراهيم عن سَمْته العادل ، ولم يتعدَّ أدب الحوار والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة . قال : { قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ } وكأن إبراهيم عليه السلام يريد أنْ يَلفِتَ نظر عمه ، ويؤكد له أنه في خطر عظيم يستوجب العذاب من الله ، وهذا أمر يُحزِنه ولا يُرضيه ، وكيف يترك عمه دون أنْ يأخذَ بيده ؟ فقال له أولاً : { سَلاَمٌ عَلَيْكَ } [ مريم : 47 ] أي : سلام مني أنا ، سلام أقابل به ما بدر منك فأمْري معك سلام ، فلن أقابلَك بمثل ما قُلْت ، ولن أُغلِظ لك ، ولن ينالك مني أذىً ، ولن أقول لك : أُفٍّ . لكن السلام منِّي أنا لا يكفي ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ لك سلاماً أيضاً من الله تعالى ؛ لأنك وقعت في أمر خطير لا يُغفر ويستوجب العذاب ، وأخشى ألاّ يكونَ لك سلام من الله . لذلك قال بعدها : { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي } [ مريم : 47 ] كأنه يعتذر عن قوله : { سَلاَمٌ عَلَيْكَ } [ مريم : 47 ] فأنا ما قُلْتُ لك : سلام عليك إلا وأنا أنوي أن أستغفرَ لك ربي ، حتى يتمّ لك السلام إنْ رجعتَ عن عقيدتك في عبادة الأصنام ، وهو بذلك يريد أنْ يُحنِّنه ويستميل قلبه . ثم أخبر عن الاستغفار في المستقبل فلم يقُلْ استغفرتُ ، بل { سَأَسْتَغْفِرُ } [ مريم : 47 ] يريد أنْ يُبرىء استغفاره لعمه من المجاملة والنفاق والخداع ، وربما لو استغفرتُ لك الآن لظنِنتُ أنِّي